محمد بن جرير الطبري
361
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
فان البلاد قد تمخضت عليك ، فلا آمن ركبا آخرين يقدمون من الكوفة ، فتقول : يا علي ، اركب إليهم ، ولا أقدر ان اركب إليهم ، ولا اسمع عذرا . ويقدم ركب آخرون من البصرة ، فتقول : يا علي اركب إليهم ، فإن لم افعل رأيتني قد قطعت رحمك ، واستخففت بحقك . قال : فخرج عثمان فخطب الخطبة التي نزع فيها ، واعطى الناس من نفسه التوبة ، فقام فحمد الله ، واثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : اما بعد أيها الناس ، فوالله ما عاب من عاب منكم شيئا أجهله ، وما جئت شيئا الا وانا اعرفه ، ولكني منتنى نفسي وكذبتني ، وضل عنى رشدي ، [ ولقد سمعت رسول الله ص يقول : من زل فليتب ، ومن أخطأ فليتب ، ولا يتماد في الهلكة ، ان من تمادى في الجور كان ابعد من الطريق ، ] فانا أول من اتعظ ، استغفر الله مما فعلت وأتوب اليه ، فمثلي نزع وتاب ، فإذا نزلت فليأتني اشرافكم فليرونى رأيهم ، فوالله لئن ردني الحق عبدا لاستن بسنه العبد ، ولأذلن ذل العبد ، ولأكونن كالمرقوق ، ان ملك صبر ، وان عتق شكر ، وما عن الله مذهب الا اليه ، فلا يعجزن عنكم خياركم ان يدنوا إلى ، لئن أبت يميني لتتابعني شمالي . قال : فرق الناس له يومئذ ، وبكى من بكى منهم ، وقام اليه سعيد ابن زيد ، فقال : يا أمير المؤمنين ، ليس بواصل لك من ليس معك ، الله الله في نفسك ! فاتمم على ما قلت فلما نزل عثمان وجد في منزله مروان وسعيدا ونفرا من بنى أمية ، ولم يكونوا شهدوا الخطبة ، فلما جلس قال مروان : يا أمير المؤمنين ، ا تكلم أم اصمت ؟ فقالت نائله ابنه الفرافصه ، امراه عثمان الكلبية : لا بل اصمت ، فإنهم والله قاتلوه ومؤثموه ، انه قد قال مقاله لا ينبغي له ان ينزع عنها فاقبل عليها مروان ، فقال : ما أنت وذاك ! فوالله لقد مات أبوك وما يحسن يتوضأ ، فقالت له : مهلا يا مروان عن ذكر الآباء ، تخبر عن أبي وهو غائب تكذب عليه ! وان أباك لا يستطيع ان يدفع عنه ، اما والله لولا انه عمه ، وانه يناله غمه ، أخبرتك عنه ما لن اكذب عليه